مركز الثقافة والمعارف القرآنية

399

علوم القرآن عند المفسرين

فلا بد لهم من سدّ باب التصديق بالنبوة . وهذا أحد مفاسد هذا القول ، وإنما لزم من قولهم هذا سدّ باب التصديق بالنبوة ، لأن المعجز إنما يكون دليلا على صدق النبوة إذا قبح في العقل أن يظهر المعجز على يد الكاذب ، وإذا لم يحكم العقل بذلك لم يستطع أحد أن يميز بين الصادق والكاذب . وقد أجاب « الفضل بن روزبهان » عن هذا الإشكال : بأن فعل القبيح وإن كان ممكنا على اللّه تعالى ، ولكن عادة اللّه قد جرت على تخصيص المعجزة بالصادق ، فلا تظهر معجزة على يد الكاذب ، ولا يلزم سدّ باب التصديق بالنبوة على قول الأشعريين ، وهذا الجواب بيّن الضعف ، متفكك العرى . أولا : أن عادة اللّه التي يخبر عنها « ابن روزبهان » ليست من الأمور التي تدرك بالحس ، ويقع عليها السمع والبصر ، فينحصر طريق العلم بها بالعقل ، وإذا امتنع على العقل أن يحكم بالحسن والقبح - كما يراه الأشعري - لم يمكن لأحد أن يعلم باستقرار هذه العادة للّه تعالى . ثانيا : أن إثبات هذه العادة يتوقف على تصديق الأنبياء السابقين ، الذين جاءوا بالمعجزات حتى نعلم أن عادة اللّه قد استقرت على تخصيص المعجزة بالصادق . أما المنكرون لتلك النبوات ، أو المشككون فيها فلا طريق لهم إلى إثبات هذه العادة التي يدعيها « ابن روزبهان » فلا تقوم عليهم الحجة بالمعجزة . ثالثا : إذا تساوى الفعل والترك في نظر العقل ، ولم يحكم في ذلك بقبح ولا حسن ، فأي مانع يمنع اللّه أن يغير عادته ؟ وهو القادر المطلق الذي لا يسأل عما يفعل ، فيظهر المعجزة على يد الكاذب . رابعا : إن العادة من الأمور الحادثة التي تحصل من تكرر العمل ، وهو يحتاج إلى مضي زمان . وعلى هذا فما هي الحجة على ثبوت النبوة الأولى الثابتة قبل أن تستقر هذه العادة ؟ وسنتعرض لأقوال الأشعريين فيما يأتي ، ونوضح وجوه فسادها » « 1 » .

--> ( 1 ) البيان ج 1 ص 45 - 48 .